وبعد ان اوضح الشاعر القضية الخلافية وصرح بها، لم يعد يبالي
بهؤلاء، ولا بملاحظاتهم النقدية وتجريمهم لشاعرنا، مادام يعلم
ان ارضاء الخالق اولى من ارضاء المخلوق، وهو العارف، من دون
غيره، ان معرفة الله ليست مقصورة على صنف من دون آخر،
وليست احتكارا لقوم، حتى يخطئوا شاعرنا. وارضاء هؤلاء لا يهم
الششتري ما لم يفهموا فلسفة السلوك والعرفان. وقد عبر
الشاعر في البيت التالي عن حالته في عصيان المخلوق ارضاء
ومحبة في الخالق وذوبانا فيه، بقوله انه «خلع عذاره»، اي اتبع
هواه وانهمك في الغي وصار يقول ويفعل ما يشاء، بما تحمله
الكلمة من معناها اللغوي،لا بمعناها العرفاني الذي يتكرر
بصورة لافتة في ديوان الششتري، اذ يصرح العرفاء انه كلما
اتسعت معاني العرفان كلما ضاقت اللغة العادية عن استيعاب
مضامينهم، وبذلك يصبح غي الشاعر، وتهتكه، وتمزيقه اثواب
الوقار اشياء محببة ومبجلة، ان اللغة مرآة الوجود، ولغة الشعر ما
هي الا جزء منها «واللغة الشعرية تترجم ساحة من الوجود،
بحيث لا ترقى اليها اي ساحة اخرى، ولا شك في ان القضايا
الشعرية هي نوع من التعبير عن الواقعية والحقيقة، وللواقعية
عدة اوجه،ان لم يصل الى الحقيقة عن طريق التجليات الالهية
يدرك بشكل واضح ان كل جلوة من جلوات الوجود ما هي الا
وجه من اوجه الحقيقة، وكون الوجود له عدة تجليات فلا بد لنا
من ان نقبل ان كل واحدة من هذه الجلوات هي وجه من
اوجه تلك الحقيقة، وجه الحقيقة في عالم الشعر هو صورة
اخرى لعالم التراب وسحنة جديدة للانسان. من الواضح
ان مشاهدة هذه السحنة الوضاءة غير ميسورة لمن ليس لديه
قلب حي متعطش»((402)). وهذا هو ما يعبر عنه الششتري
في قصيدته هذه، وما يعبر عنه في زماننا، الامام الخميني(قده)
في احدى قصائده العرفانية قائلا:
لم يسكن قلبي سوى عشقك
هكذا بمنطق العارفين، والشوشتري من متقدميهم، والامام
الخميني من المتاخرين، تصبح اللغة غير اللغة، ويصبح
مايسميه الجمهور باطلا عزيزا على عارفين، بل ان ما يسمى
باطلا في حق العارفين يسخر من سذاجة ما يسميه
بعض المشايخ حقا، ولو كان هؤلاء المشايخ من اعلم العالمين
في مباحث الجدل والرواية، فلن يرشدهم علمهم هذا
الى الجادة، ان كتاب الاسفار للملا صدرا، على الرغم من عظمة
شانه في التصوف الفلسفي والعرفان، يصرح الامام الخميني انه
لم يرشده الى طريق النور الالهي، وهو ما ينطبق على كتاب
الشفاء ايضا لابن سينا، وقد تفطن الشهيد علي شريعتي الى هذا
المعنى، والى القضية - رغم بعده عن العرفان والعارفين وعبر
عن فطنته هذه بقوله في ما معناه ان الهداية لاتتاتى بجمع
الكتب والادمان على مطالعتها، بل هي نور يقذفه الله في صدر
من يشاء. وقريب من هذا المعنى عبر عنه في مناجاته ضمن
كتاب الدعاء قائلا: «الهي، لا تورطني في سفه النعيم. هبني من
لدنك الاعتمال الكبير، والهم العظيم،والدهشة الفياضة. هب
عبادك الحقراء اللذة، اما انا فهبني الالام العزيزة علي»((404)).
كما يعبر الامام الخميني(قده)بوضوح عن هذا المعنى في
قطعة شعرية اخرى قائلا:
اريد الداء ولا اريد الدواء
وعلى هذا المنوال، وباختلاف طفيف، يختتم الششتري
قصيدته في خلاصة مركزة تترجم التساؤلات
والايضاحات السالفة، قائلا:
اففما في الهوى شكوى ولو مزق الحشا
واذا كان النقاد والشعراء قد رموا شعراء الغزل العذري بالجنون، لان حبهم في
معشوقاتهم كان بريئا وصادقا ومتوهجا بلغ الى درجة الهذيان، فماذا يمكن ان
يقال عن شعراء العشق الالهي الذين لم يرضوا ان يسترخصوا حياتهم وما لهم، في
سبيل عشق اقل من مستواهم، لانهم، وهم الناس المتفردون بالاحساس المرهف، عملوا
على تغليب السمو والارتفاع عن البعد الطيني، ولو كان علما كبيرا لا يستطيع ان
يقود الانسان الى الفلاح، ولا يرشده الى الصلاح، ولا يكتشف صاحبه معرفة الله
الحقيقية التي عبر عنها الحديث القدسي: «كنت كنزا مخفيا فاحببت ان اعرف فخلقت
الكون لكي اعرف»، وماعبر عنه الحديث القدسي الاخر في قوله تعالى: «يا ابن
آدم، انا غني لا افتقر، اطعني في ما امرتك اجعلك غنيا لا تفتقر.يا ابن آدم
انا حي لا اموت، اطعني في ما امرتك اجعلك حيا لا تموت. يا ابن آدم، انا اقول
للشيء كن فيكون، اطعني في ما امرتك اجعلك تقول للشيء كن فيكون».
وهذا ما عبر عنه سعدي الشيرازي في احدى قصائده الشعرية
قائلا:
حدود قدرة الله المطلقة
ان شعر العرفان عند الششتري وسعدي الشيرازي والامام
الخميني يسخر من اهل المجادلة والعقلانيين، وحتى من بعض
الفقهاء القاصرين عن ادراك مقامات الولاية الربانية، وها هو
الششتري يتحدث شعرا.
-
قل لمن جد في نصحي فديتك لا
ويقول سعدي لاصحاب العقل، منكري مسلك العرفان، ما يقوله
الششتري في قطعة شعرية في صورة اخرى:
طريق العقل كله متاهات وانحرافات
ان نظرة العرفاء الى العقل وباقي الاقيسة ليست نظرة الاستبعاد
التي يتبناها السلفيون، ومن كفروا المنطق والعقل،
ولكنهانظرة احترام للعقل وتجريب له ايضا، وتعديه ثانية
باعتباره درجة اقل من الكشف القلبي، وبهذا تجاوزهم للعقل
هوتجاوز مجرب ودود لا معاند جحود، ونحن نعلم ان
الششتري وسعدي الشيرازي والامام الخميني من العلماء
المفلقين في الفلسفة والعلوم العقلية والفقه ايضا، بل ان هذا
الموقف من العقل وجدناه عند مفكر عقلاني حداثي معاصر
واصيل هو الشهيد علي شريعتي في مناجاته قائلا: «الهي، الا
حطم، يا الهي، هذا العقل اللئيم الذي لا يعرف غير المنفعة،
والذي يقيد جناحي في هجرتهما من الوجود الى المعراج الذي
ينبغي ان اكون فيه. الا حطمه بشعلة الشوق التي تلتهب
في داخلي»((410)).
ونجد هذا المعنى ايضا في قصائد الامام الخميني العرفانية، وقد
جاء في احداها:
مراد قلبي ليس في الكعبة، ولا في معبد الاصنام،
وما يضيفه الامام الخميني هو ان كلام المتصوف نفسه لا يمكن
ان يكون دليلا على جمال المحبوب، لان العبرة في المحبة
الالهية هي ان تعيش تجربتك الخاصة، وان تفتح لقلبك
لحظات الوجد، لا ان تسمعها من شيخ او تتلقاها مدارسة او
رواية لاوراد الزامية يتلوها الانسان. وهذا هو بعض ما يفصل
التصوف عن العرفان، فالعرفان حالة قلبية، وليست تلقينية او
عقلية او حتى صناعية، وليست فلسفية بمعنى الجدل
والمباحثة، وليست فقهية تقوم على قواعد فقهية. ولهذا،
ولغيره ايضا من الاسرار، يعجز المتكلمون عن ادراك المقامات
العرفانية. وعرفان الششتري ليس عرفان المنزوي المتلهف
للكرامات الفردية للنيل والفوز الفردي بالجنة، ولا عرفان
سعدي الشيرازي، ولا عرفان الامام الخميني من هذاالقبيل،
فالمصادر التاريخية تروي لنا ان الششتري شارك في عمليات
الجهاد ضد الصليبيين، وسعدي الشيرازي كان ايضا من
ماسوري الصليبيين، وجهاد الامام الخميني وحركته غنيان عن
التعريف، وهذا ما يعبر عنه سعدي بقوله شعرا:
الكرامة هي الشجاعة والكرم، بين الششتري وسعدي
تبدو نقاط الالتقاء، في تجربة كل من سعدي والششتري الشعرية، اكثر من نقاط
الافتراق، ذلك ان الشاعرين يمثلان نمطين مختلفين في الانتماء الجغرافي وحتى
في التكوين الفكري، اي بين نمط المدرسة المغربية الاندلسية العرفانية،ونمط
المدرسة الشعرية الايرانية، ومن عناصر الالتقاء هذه، والتي تظهر بوضوح، هي
تلك السهولة والبساطة على مستوى البناء الشعري ومعانيه؛ اذ لم يكن هذا النهج
سائدا في المدرستين خصوصا في باب العرفان، اذ اعتاد شعراءالمدرستين ان يصوغوا
معانيهم في تراكيب فلسفية عرفانية، ونحن نعلم ان جل العرفانيين، ان لم نقل
جميعهم، من الايرانيين، قد سجلوا تجاربهم الشعرية في العرفان، ومنها كلش راز
(روضة الاسرار) للشبستري التي استندت على كثيرمن افكار محيي الدين بن عربي.
وحتى تلك التجارب التي اتت بعد سعدي اخذت الطابع نفسه، ومنها تجربة حافظ
الشيرازي، او حتى تجربة مولانا جلال الدين البلخي الرومي الذي بلغت غزلياته
وحدها ستين الف بيت شعر، مقتربة بذلك من ملحمة الفردوسي (الشاهنامة).
كانت هذه التجارب، في الغالب، تستند الى الغموض وبعض
التعقيد والتركيبات الفلسفية، ويسجل الامر نفسه عندالشيخ
الاكبر في المغرب والاندلس، ولعل فطنة الششتري ونباهة
الشيرازي كانتا اكثر اتقادا، اذ احستا ان هذه المعاني العرفانية لا
بد لها من الانتشار والتناول الواسع بين فئات الشعب، ولا يتاتى
لها هذا الانتشار الا بتبسيط الخطاب، مع العلم ان الششتري
الاندلسي قد ذهب الى ابعد من ذلك حينما صاغ معاني صوفية
وعرفانية في الازجال والموشحات بلغة شعبية غير معربة. وقد
اتاحت هذه الخطة تداولا اوسع لشعره في المحافل
والتجمعات، وبادرت فرق ومجموعات الموسيقى الروحية الى
استلهام هذه الاشعار في تجاربها، وهذا ما جعل اعداء التصوف
والعرفان يحذرون من هذاالنمط، وعلى راس هؤلاء ابن تيمية.
كما يمكننا ان نسجل ايضا المساحة المشتركة والواسعة بين
سعدي والشوشتري،وهي حضور النص القرآني والنبوي بكثافة
في هذه التجارب مع فارق في التناول، اذ عمد سعدي الى
توظيف منطوق النص القرآني، والقصص القرآني كما هو، بينما
ذهب الششتري الى توظيف تاويل النص وباطنه، ولعل هذا
يعود بدوره الى مساحة المختلف بينهما، فالشوشتري يعد من
انصار مذهب وحدة الوجود التي يعبر عنها في كثير من
نصوصه، ومنها قوله في احد موشحاته:
يا من يريد يرى الاله
الششتري، اذا، من انصار وحدة الوجود من دون حلول كما يعبر
في الموشح، اما سعدي فقد طغت اشعريته على قصائده، وهو
اميل الى الزهد والتقوى، والى شعر الحكم والتربية والاخلاق
منه الى العرفان، ولا يعني هذا عدم انشغاله او اشتغاله بالعرفان،
بل ان بعض النقاد يعده احد اركان العرفان الكبار، «الا انه في
الحقيقة لم يكن صوفيا ولم يسع الى تقدم العرفان واشاعته. بل
كانت لديه ميول خاصة نحو اسلوب رجال الدين»((414))، على
الرغم من ان الباب العاشر من منظومة «البوستان» يمكن عدها
من باب العرفان؛ حيث يتحرر فيها من قيود الاشعرية، (كما
اوردنا في قصائده السالفة).ولم يكن سعدي ايضا من القائلين
بوحدة الوجود، رغم انه عبر عن ذلك، او ما يشبهه، في احدى
قصائده، كقوله مثلا:
كل الاشياء مهما كانت اقل من ان يطلق على وجودها اسم
الوجود((415)).
وتفسير هذا الالتقاء الشعري، على الرغم من التباعد المذهبي،
يعود الى اسباب عديدة؛ اذ لا ننسى ان كلا منهما قدتتلمذ على
يد السهروردي، بفارق بسيط هو ان سعدي اخذ عن
السهروردي مباشرة، وعبر عن ذلك بقوله:
الشيخ العارف المرشد شهاب الدين،
اما الششتري فقد اخذ عن تلميذ السهروردي، وهو القاضي
محيي الدين بن سراقة((417))، في احدى رحلاته الى
بجاية الجزائرية.
كما نجد حضور الاغراض الغزلية والخمرية في تجربة
الشاعرين، وهو حضور يغري فضول الباحث لاجراء بحث مستقل
في هذا الباب، اذ تكاد تتشابه معالجتهما لهذين الغرضين لغلبة
منطق السمو في طرق الموضوع على منطق الحسية، في جانب
المعالجة الفكرية، وفي الجانب الفني تكاد تتشابه الصور
الشعرية والتقنيات المستعملة وباقي الادوات الفنية في
الغرضين. والامر نفسه نجده، ايضا، في خمريات العشق الالهي
عند الامام الخميني في شعره العرفاني، كما تتشابه معاني
العشق عند العرفاء الى حدود كبيرة، ونحن اذا فصلنا اوجه هذا
التشابه واوجه الاختلاف،ايضا، فستطول بنا الاوراق والاوقات.
وهذه محاولة بسيطة في عالم فسيح عنوانه الفقر المطلق في
معانقة الغنى المطلق الذي هو الاكبر المطلق وسلوكه،
وهيهات هيهات ان يقاوم قلمي وهو يقف عاجزا حتى عن
ملاحقة تجارب العارفين والسالكين، فتلك مهمة موكولة لعباد
الله المخلصين، ونحن ابعد مما نتصور عن ادراك مقاماتهم
العلوية. خلاصة
تطغى المسحة الفلسفية على تجربة الششتري الشعرية، بينما تطغى النزعة
التعليمية على شعر سعدي، وبقدر ماتختلف تجربتيهما تتكاملان، ويحتاج كل منهما
الى الاخر. ينطلق الششتري من العرفان لتناول قضايا الاخلاق والزهد،بينما
ينطلق سعدي من الاخلاق والزهد ليتناول دائرة العرفان الكبرى. ولهذا وجدنا،
مثلا، شعر الامام الخميني(قده)يتخذ مرجعية الششتري اكثر من مرجعية سعدي في
تجربته. وهكذا قدر للعرفان والتصوف الفلسفي ان يولد في المغرب والاندلس
لتزدهر ازهاره وتتفتح اكثر في بلاد ايران على يد شوامخ العرفان، ابتداء من
الملاصدرا وصولا الى الامام الخميني. ولعل ذلك يعود، في الاساس، الى التربة
الاسلامية الايرانية التي كانت مستعدة لاحتضان هذه البذورالمغربية الاندلسية،
واكبر من مثلها في تلك المرحلة الشيخ الاكبر والشوشتري، مكونة بذلك روابط
قوية بين ايران والمغرب.
وبذلك فقد ازدهر التصوف في المغرب واثمر، بينما انتعش
العرفان في ايران وازهر، لان الارضية المشتركة لهذه المعارف
هي الاخلاق والتقوى ضمن العقيدة المشتركة، وسلاحها
الامضى هو العشق الالهي، الذي يذيب المصالح جميعها،
ويقضي على الذاتيات الضيقة جميعها، خدمة للاهداف النبيلة
والسامية، ويعط ي للخصوصية معنى التكامل،ولا يعطيها بعد
التقاطع والاحتراب، ويؤسس للتبادل والتواصل لا لبناء
الجدران والاسوار بين شطري الذات الواحدة.واذا كان الاجداد،
من ايرانيين ومغاربة واندلسيين، قد نجحوا في نسج هذا
السجاد المشترك الذي يفتخر الايرانيون والمغاربة في نسج
خيوطه وتزيين صورته والوانه، وتركوا لنا ميراثا عظيما
ومتداخلا نستطيع ان نتحدث عنه بفخرواعتزاز، مالئين بذلك
قرونا من الزمن، فهل لنا نحن اليوم ان نقرب التاريخ ثانية،
ونملا مساحات التباعد، حتى نترك للاحقين خدمة مضافة
لخدمات السلف، تحقيقا للتواصل الحضاري والثقافي بين
ثقافتين تجمعهما العقيدة الواحدة والتاريخ المشترك، رغم بعد
الجغرافيا، لنجعل التاريخ حكما على الجغرافيا لتخدم اعضاء
البدن الاسلامي الواحد بعضها بعضا، ممتثلين للحديث النبوي
الذي صاغ سعدي شعرا على منواله قائلا:
ان بني آدم كاعضاء البدن الواحد،
ولا يسعنا التعليق اكثر او الشرح لان القطعة تشرح نفسها،
ونختم حديثنا بما قاله الششتري.
افحرك الوجد في هواكم سكوني غدير خم دراسة تاريخية، وتحقيق ميداني د. عبد الهادي الفضلي مَعلم من معالم التاريخ الاسلامي
في اليوم الثامن عشر من شهر ذي الحجة من هذه السنة الجارية، وهي العاشرة
والاربعمئة بعد الالف للهجرة الشريفة،تطل علينا ذكرى يوم الغدير الاغر، وقد
مر عليها اربعة عشر قرنا.
ولهذه المناسبة الكريمة، ولاهمية يوم الغدير، تاريخيا وعقديا،
رايت ان اكتب عن موقع «غدير خم» بوصفه معلما من معالم
الحج والزيارة التي كنت قد كتبت عن غير واحد منها، فقد ورد -
كما ساشير استحباب الصلاة في مسجد رسول الله(ص)، الواقع
في غدير خم، والذي شيد على الموضع الذي وقف فيه رسول
الله(ص)، وخطب بالناس خطبته المعروفة ب «خطبة يوم
الغدير»، ونص فيها على ولاية امير المؤمنين علي(ع).
اضافة لما تقدم، فان موضع «غدير خم» من المواضع الاسلامية
التي شهدت غير موقف من مواقف النبي(ص)، التي يمكننا
تلخيصها بما ياتي:
1. وقوعه في طريق الهجرة النبوية.
وكل موقف من هذه المواقف الثلاثة يمثل بعدا مهما في مسيرة
التاريخ الاسلامي، فالهجرة كانت البدء لانتشار الدعوة الاسلامية
وانطلاقها خارج ربوع مكة، ومن ثم الى العالم كله. وحجة
الوداع والعودة منها الى المدينة المنورة كانت ختم الرسالة؛
حيث كمل الدين فتمت النعمة. وبيعة الغدير هي التمهيد لعهد
الامامة والامام؛ حيث ينتهي عهد الرسالة والرسول.
ومن هنا اكتسب موضع «غدير خم» اهميته الجغرافية في
التراث الاسلامي ومنزلته التكريمية بوصفه معلما خطيرا
من معالم التاريخ الاسلامي.
واشتهر الموقع بحادثة الولاية للامام امير المؤمنين(ع) اكثر
من شهرته موقعا او منزلا من معالم طريق الهجرة النبوية،
اومن طريق العودة من حجة الوداع.
وقد ذكر حادثة الولاية، او بيعة الغدير، الكثير من المؤرخين،
وممن افردها بتاليف خاص وموسوعي المرحوم الشيخ الاميني
في كتابه الموسوم ب «الغدير في الكتاب والسنة والادب»، ومما
استعرضه فيه رواة الحادثة والمؤرخين لها، وقدبلغت رواية
الحادثة، في عرضه، مستوى التواتر. وقد اشار الى الحادثة وتواتر روايتها غير واحد من علماء الحديث الثقات الاثبات. ومنهم الشيخ الامام شمس الدين ابوالخير، محمد بن محمد الجزري، الدمشقي، الشافعي، المقرى (المتوفى سنة 813ه) في كتابه «اسنى المطالب في مناقب سيدنا علي بن ابي طالب»، فقد جاء فيه ما نصه((420)):
«اخبرنا ابو حفص عمر بن الحسن المراغي، في ما شافهني به عن
ابي الفتح يوسف بن يعقوب الشيباني، انا ابو اليمن زيدبن
الحسن الكندي، انا ابو منصور القزاز، انا الامام ابو بكر بن ثابت
الحافظ، انا محمدبن عمر بن بكير، انا ابو عمر يحيى بن عمر
الاخباري، ثنا ابو جعفر احمد بن محمد الضبعي، ثنا الاشبح،
حدثنا العلاء بن سالم، عن يزيد بن ابي زياد، عن عبد الرحمن بن
ابي ليلى، قال: سمعت عليا (رضي الله عنه) بالرحبة ينشد
الناس: من سمع النبي(ص) يقول: «من كنت مولاه فعلي مولاه،
اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه»، فقام اثنا عشر بدريا
فشهدوا انهم سمعوا رسول الله(ص) يقول ذلك».
هذا حديث حسن من هذا الوجه، صحيح من وجوه كثيرة، تواتر
عن امير المؤمنين علي، وهو متواتر ايضا عن النبي(ص)، رواه
الجم الغفير.
ولا عبرة بمن حاول تضعيفه ممن لا اطلاع له في هذا العلم،
فقد ورد مرفوعا عن ابي بكر الصديق وعمر بن الخطاب وطلحة
بن عبيدالله والزبير بن العوام وسعد بن ابي وقاص وعبد
الرحمن بن عوف والعباس بن عبد المطلب وزيدبن ارقم والبراء
بن عازب وبريدة بن الخصيب وابي هريرة وابي سعيد الخدري
وجابر بن عبدالله وعبدالله بن عباس وحبشي بن جنادة
وعبدالله بن مسعود وعمران بن حصين وعبدالله بن عمر
وعماربن ياسر وابي ذر الغفاري وسلمان الفارسي واسعد بن
زرارة وخزيمة بن ثابت وابي ايوب الانصاري وسهل بن حنيف
وحذيفة بن اليمان وسمرة بن جندب وزيدبن ثابت وانس بن
مالك، وغيرهم من الصحابة (رضوان الله عليهم).
وصح عن جماعة منهم ممن يحصل القطع بخبرهم.
وثبت ايضا ان هذا القول كان منه(ص) يوم غدير خم، وذلك في
خطبة خطبها النبي(ص) في حقه ذلك اليوم، وهو اليوم الثامن
عشر من ذي الحجة سنة احدى عشرة لما رجع(ص) من حجة
الوداع.
وبعد هذه المقدمة سيكون الحديث عن هذا الموضع الشريف
في حدود المسائل الاتية: اسم الموقع. سبب التسمية.تحديد
الموقع جغرافيا. وصف الموقع تاريخيا. وصف مشهد النص
بالولاية. الاعمال المندوب اليها شرعا في هذاالموقع. وصف
الموقع الراهن. الطرق المؤية اليه. صور وخرائط. اسم الموقع
1. اشتهر الموضع باسم «غدير خم»، ففي حديث «السيرة لابن
كثير»: «قال المطلب بن زياد عن عبدالله بن محمد بن
عقيل:سمع جابر بن عبدالله يقول: كنا بالجحفة بغدير خم،
فخرج علينا رسول الله(ص) من خباء او فسطاط الخ»((421)).
وقالت بالغدير، غدير خم:
وفي قول الكميت الاسدي:
ويوم الدوح دوح غدير خم
وضبط لفظ «خم»، في «لسان العرب» بفتح الخاء، ونقل عن ابن
دريد انه قال: «انما هو خم، بضم الخاء»((425)).
2. كما انه يسمى ب«وادي خم»، اخذا من واقع الموضع، قال
الحازمي: «خم: واد بين مكة والمدينة عند الجحفة، به غدير،
عنده خطب رسول الله(ص)، وهذا الوادي موصوف بكثرة
الوخامة»((426)).
3. وقد يطلق عليه «خم» اختصارا، كما في كتاب «صفة جزيرة
العرب»، فقد قال مؤلفه الهمداني، وهو يعدد بلدان
«تهامة اليمن»: «ومكة: احوازها لقريش وخزاعة، ومنها: مر
الظهران، والتنعيم، والجعرانة، وسرف، وفخ، والعصم،
وعسفان،وقديد، وهو لخزاعة، والجحفة، وخم، الى ما يتصل
بذلك من بلد جهينة ومحال بني حرب»((429)).
عفا وخلا ممن عهدت به خم
وفي قول المجالد بن ذي مران الهمداني من قصيدة قالها
لمعاوية بن ابي سفيان، وقد راى تمويهه وتمويه عمرو
بن العاص على الناس في دم عثمان (رضي الله عنه):
وله حرمة الولاء على النا
4. واطلق عليه، في بعض الحديث، اسم الجحفة من باب
تسمية الجزء باسم الكل، لان خما جزء من وادي الجحفة الكبير،
كما سياتي.
5. ويقال له «الخرار»، قال السكوني: «موضع الغدير غدير خم
يقال له الخرار»((433)).
6. ويختصر ناسنا اليوم الاسم فيطلقون عليه «الغدير». 7. الغربة، بضم الغين المعجمة وفتح الراء المهملة والباء الموحدة، هكذا ضبطه البلادي، وهو الاسم الراهن الذي يسميه به ابناء المنطقة في ايامنا هذه، قال البلادي: «يعرف غدير خم اليوم باسم «الغربة»، وهو غدير عليه نخل قليل لاناس من البلادية من حرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة على ثمانية اكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرار»((435)).
ويقيد لفظ «الغدير» باضافته الى «خم» تمييزا بينه
وبين غدران اخرى، قيدت، هي الاخرى، بالاضافة، امثال: سبب التسمية
نستطيع ان نستخلص من مجموع التعريفات التي ذكرتها
المعاجم العربية للغدير التعريف الاتي: الغدير: هو
المنخفض الطبيعي من الارض، يجتمع فيه ماء المطر او ماء
السيل، ولا يبقى الى القيظ((438)). ويجمع على غدر، بضم
اوليه،وغدر، بضم اوله وسكون ثانيه، واغدرة، وغدران. وعللوا
تسمية المنخفض يجتمع فيه الماء غديرا ب:
1. انه اسم مفعول لمغادرة السيل له، اي ان السيل عندما يملا
المنخفض بالماء يغادره، بمعنى يتركه بمائه.
2. انه اسم فاعل «من الغدر لانه يخوف وراده فينضب عنهم،
ويغدر باهله، فينقطع عند شدة الحاجة اليه»((439)).
وقواه الزبيدي في معجمه «تاج العروس» بقول الكميت:
ومن غدره نبز الاولون
وشرح معنى البيت بان الشاعر «اراد (ان) من غدره نبز الاولون الغدير بان لقبوه
الغدير، فالغدير الاول مفعول نبز، والثاني مفعول لقبوه».
وسبب تسمية الموقع بالغدير لانه منخفض الوادي.
اما «خم» فنقل ياقوت عن الزمخشري انه قال: «خم: اسم رجل
صباغ، اضيف اليه الغدير الذي بين مكة
والمدينة بالجحفة»((440)).
ثم نقل عن صاحب «المشارق» انه قال: «ان خما اسم غيضة
هناك، وبها غدير نسب اليها».
والتعليل نفسه نجده عند البكري، فقد قال: «وغدير خم على
ثلاثة اميال من الجحفة، يسرة عن الطريق، وهذا الغديرتصب
فيه عين، وحوله شجر كثير ملتف، وهو الغيضة التي تسمى
خما»((441)). تحديد الموقع جغرافيا
نص غير واحد من اللغويين والجغرافيين والمؤرخين على ان موقع غدير خم بين مكة
والمدينة. ففي «لسان العرب - مادة خم»: «وخم: غدير معروف بين مكة والمدينة».
وفي «النهاية لابن الاثير - مادة خم»: «غدير خم: موضع بين مكة والمدينة».
وفي «النهاية لابن الاثير مادة خم»: «غدير خم: موضع بين مكة
والمدينة».
وفي «معجم البلدان»: «وقال الحازمي: خم: واد بين مكة
والمدينة»((442)).
وفي المصدر نفسه: «قال الزمخشري: خم: اسم رجل صباغ
اضيف اليه الغدير الذي هو بين مكة والمدينة».
ويبدو انه لا خلاف بينهم في ان موضع غدير خم بين مكة
والمدينة، وانما وقع شيء قليل من الخلاف بينهم في
تعيين مكانه بين مكة والمدينة، فذهب الاكثر الى انه في
«الجحفة»، ويعنون بقولهم «في الجحفة»، او «بالجحفة» وادي
الجحفة، كما سياتي. ومن هؤلاء: «ابن منظور في «لسان العرب -
مادة: خم» قال: «وخم: غدير معروف بين مكة
والمدينة، بالجحفة، وهو غدير خم». والفيروزآبادي في
«القاموس المحيط - مادة: خم» قال: «وغدير خم: موضع على
ثلاثة اميال بالجحفة بين الحرمين».
والزمخشري، في نصه المتقدم الذي نقله عنه الحموي في
«معجم البلدان» القائل فيه: «خم: اسم رجل صباغ اضيف
اليه الغدير الذي بين مكة والمدينة بالجحفة»((443)).
وفي حديث «السيرة لابن كثير»، المتقدم، «قال المطلب بن
زياد عن عبدالله بن محمدبن عقيل، سمع جابر بن
عبداللهيقول: كنا بالجحفة بغدير خم.. الخ»((444)).
وكما قلت، يريدون من «الجحفة»، في هذا السياق: الوادي لا
القرية التي هي الميقات، وذلك بقرينة ما ياتي من
ذكرهم تحديد المسافة بين غدير خم والجحفة، الذي يعني ان
غدير خم غير الجحفة (القرية)، ولان وادي الجحفة يبدا
من الغدير وينتهي عند البحر الاحمر، فيكون الغدير جزءا منه،
وعليه لا معنى لتحديد المسافة بينه وبين الوادي الذي هوجزء
منه.
وتفرد الحميري في «الروض المعطار»، فحدد موضعه بين
الجحفة وعسفان، قال: «وبين الجحفة وعسفان
غديرخم»((445)).
وهو، من غير ريب، وهم منه، وبخاصة انه حدد الموضع بانه
على ثلاثة اميال من الجحفة يسرة الطريق، حيث لا يوجدعند
هذه المسافة بين الجحفة وعسفان موضع يعرف بهذا الاسم.
والظاهر انه نقل العبارة التي تحدد المسافة بثلاثة اميال من
الجحفة يسرة الطريق من «معجم ما استعجم»، ولم يلتفت
الى ان البكري يريد بيسرة الطريق الميسرة للقادم من المدينة
الى مكة، وليس العكس، فوقع في هذا التوهم.
قال البكري، في معجمه: «وغدير خم على ثلاثة اميال من
الجحفة يسرة عن الطريق»((446)) وكما قلت، يريد
بالميسرة جهة اليسار بالنسبة الى القادم من المدينة الى مكة
بقرينة ما ذكره في بيان مراحل الطريق بين الحرمين
ومسافاتها عندحديثه عن العقيق((447)) حيث بدا بالمدينة،
قال: «والطريق الى مكة من المدينة على العقيق: من المدينة
الى ذي الحليفة.. الخ».
ونخلص من هذا الى ان غدير خم يقع في وادي الجحفة على
يسرة طريق الحاج من المدينة الى مكة، عند مبتدا
وادي الجحفة حيث منتهى وادي الخرار.
ومن هنا كان ان اسماه بعضهم بالخرار، كما تقدم.
ولعل علة ما استظهره السمهودي من ان الخرار بالجحفة هو ما
اوضحته، من ان غدير خم مبتدا وادي الجحفة، وعنده منتهى
وادي الخرار((448)).
ويؤيد هذا الذي ذكرته قول الزبير الذي نقلته آنفا عن «معجم ما
استعجم» من ان الخرار واد بالحجاز يصب
على الجحفة((449)). وقد يشير الى هذا قول الحموي، في
«معجم البلدان»: «الخرار.. وهو موضع بالحجاز، يقال: هو
قرب الجحفة»((450)).
وعبارة عرام التالية تؤكد لنا ان الغدير من الجحفة، قال، كما
نقله عنه الحموي: «ودون الجحفة على ميل غدير خم،وواديه
يصب في البحر»((451))، حيث يعني بواديه وادي الجحفة لانه
هو الذي يصب في البحر حيث ينتهي عنده.
اما المسافة بين موضع غدير خم والجحفة (القرية : الميقات)
فحددت، في ما لدي من مراجع، بما ياتي:
-
حددها البكري، في «معجم ما استعجم»((452)) بثلاثة اميال،
ونقل عن الزمخشري ان المسافة بينهما ميلان ناسبا ذلك الى
«القيل» اشعارا بضعفه.
والى القول بان المسافة بينهما ميلان ذهب الحموي في
«معجمه» قال: «وغدير خم بين مكة والمدينة، بينه وبين
الجحفة ميلان»((453)).
وقدر الفيروزآبادي المسافة بثلاثة اميال، قال في «القاموس
مادة: خم»: «وغدير خم: موضع على ثلاثة اميال بالجحفة
بين الحرمين»((454)).
وقدرها بميل كل من نصر وعرام((455)) ففي (تاج العروس -
مادة خم): «وقال نصر: دون الجحفة على ميل بين
الحرمين الشريفين».
وفي «معجم البلدان»: «وقال عرام: ودون الجحفة على ميل
غدير خم»((456)).
وهذا التفاوت في المسافة من الميل الى الاثنين الى الثلاثة امر
طبيعي، لانه ياتي، عادة، من اختلاف الطريق الذي يسلك،
وبخاصة ان وادي الجحفة يتسع بعد الغدير، وياخذ بالاتساع
اكثر حتى قرية الجحفة ومن بعدها اكثر حتى البحر،فربما
سلك احدهم حافة الجبال فتكون المسافة ميلا، وقد يسلك
احدهم وسط الوادي فتكون المسافة ميلين، ويسلك الاخر حافة
الوادي من جهة السهل فتكون المسافة ثلاثة اميال. وصف الموضع تاريخيا
احتفظ لنا التاريخ بصورة تكاد تكون كاملة المعالم، متكاملة الابعاد، لموضع
غدير خم، فذكر انه يضم المعالم الاتية: وفي «معجم ما استعجم»، و«روض المعطار»: «وهذا الغدير تصب فيه عين»((458)). وهو الذي تصب فيه العين المذكورة، كما هو واضح من النصوص المنقولة المتقدمة. ففي حديث الطبراني: ان رسول الله(ص) خطب بغدير خم تحت شجرات((460)). وفي حديث الحاكم: «لما رجع رسول الله(ص) من حجة الوداع، ونزل غدير خم امر بدوحات فقممن»((461)). وفي حديث الامام احمد: «وظلل لرسول الله(ص) بثوب على شجرة سمرة من الشمس»((462)). وفي حديثه الاخر: «وكسح لرسول الله(ص) تحت شجرتين فصلى الظهر»((463)). وهي الموضع الذي يكثر فيه الشجر ويلتف، وتجمع على غياض واغياض. وموقعها حول الغدير، كما ذكر البكري في «معجم ما استعجم»((464)) قال: «وهذا الغدير تصب فيه عين، وحوله شجر كثيرملتف، وهي الغيضة» . ومر بنا ان صاحب المشارق ذكر «ان خما اسم غيضة هناك، وبها غدير نسب اليها». ونقل ياقوت عن عرام ان قال: «لا نبت فيه غير المرخ والثلام والاراك والعشر»((465)). وذكروا ان فيه مسجدا شيد على المكان الذي وقف فيه رسول الله(ص)، وصلى وخطب، ونصب عليا للمسلمين خليفة ووليا. وعينوا موقعه بين الغدير والعين، قال البكري، في «معجمه»: «وبين الغدير والعين مسجد النبي(ص)»((466)).
7. ونقل ياقوت عن الحازمي ان «هذا الوادي موصوف بكثرة
الوخامة»((469)).
8. ومع وخامته، ذكر عرام، في ما نقله ياقوت عنه، ان به اناسا
من خزاعة وكنانة، ولكنهم قليلون، قال: «وبه اناس من خزاعة
وكنانة غير كثير». وصف مشهد النص بالولاية
ويترتب على ما تقدم، من وصف الموضع تاريخيا، وصف حادثة الولاية بخطواتها
المتسلسلة والمترتب بعضها على بعض، لتكتمل امام القارى الكريم صورة الحادثة
التي اعطت هذا الموضع الشريف اهميته، بوصفه معلما مهما من معالم السيرة
النبوية المقدسة، وتتلخص بما ياتي:
1. وصول الركب النبوي، بعد منصرفه من حجة الوداع، الى
موضع غدير خم، ضحى نهار الثامن عشر من شهر ذي الحجة
الحرام، من السنة الحادية عشرة للهجرة.
2. ولان هذا الموضع كان مفترق الطرق المؤدية الى المدينة
المنورة، والعراق، والشام، ومصر، تفرق الناس عن
رسول الله(ص) متجهين وجهة اوطانهم، فامر(ص) عليا(ع) ان
يجمعهم برد المتقدم وانتظار المتاخر.
3. ونزل الرسول قريبا من خمس سمرات دوحات متقاربات،
ونهى ان يجلس تحتهن.
4. ثم امر(ص) ان يقم ما تحت تلكم السمرات من شوك، وان
تشذب فروعهن المتدلية، وان ترش الارض تحتهن.
5. وبعد ان نزلت الجموع منازلها، واخذت اماكنها، امر(ص)
مناديه ان ينادي «الصلاة جامعة».
6. وبعد ان تكاملت الصفوف للصلاة جماعة، قام(ص) اماما بين
شجرتين من تلكم السمرات الخمس.
7. وظلل لرسول الله(ص) عن الشمس، اثناء صلاته بثوب، علق
على احدى الشجرتين.
8. وكان ذلك اليوم هاجرا شديد الحر.
9. وبعد ان انصرف(ص) من صلاته، امر ان يصنع له منبر من
اقتاب الابل((482)).
10. ثم صعد(ص) المنبر متوسدا يد علي(ع). 11. وخطب(ص) خطبته الاتية:
«الحمد لله، ونستعينه ونؤمن به، ونتوكل عليه، ونعوذ بالله من
شرور انفسنا، ومن سيئات اعمالنا، الذي لا هادي لمن اضل، ولا
مضل لمن هدى.
12. ثم طفق القوم يهنئون امير المؤمنين (صلوات الله عليه)،
وممن هناه في مقدم الصحابة: الشيخان ابو بكر وعمر،
كل يقول: بخ بخ لك يابن ابي طالب، اصبحت وامسيت مولاي
ومولى كل مؤمن ومؤمنة»((484)).
13. وقال ابن عباس: وجبت، والله، في اعناق القوم»((485))
يعني بذلك البيعة بالولاية والامرة والخلافة.
14. ثم استاذن الرسول شاعره حسان بن ثابت في ان يقول شعرا
في المناسبة.
يناديهم، يوم الغدير، نبيهم الاعمال المندوب اليها شرعا في هذا الموقع
الاعمال المندوب اليها شرعا في هذا الموضع، هي:
1. استحباب الصلاة في مسجده المعروف، تاريخيا، بمسجد
رسول الله، ومسجد النبي، ومسجد غدير خم.
2. الاكثار فيه من الدعاء والابتهال الى الله تعالى.
ومن الحديث الذي يدل على ذلك: ما رواه الشيخ الحر العاملي
في «الوسائل»:
1. باسناده عن حسان الجمال: قال: حملت ابا عبدالله
الصادق(ع) من المدينة الى مكة، قال: فلما انتهينا الى
مسجدالغدير نظر الى ميسرة المسجد فقال: ذاك موضع قدم
رسول الله(ص) حيث قال: من كنت مولاه فعلي مولاه،
اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه».
2. باسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج: قال: سالت ابا ابراهيم
(الكاظم)(ع) عن الصلاة في مسجد غدير خم بالنهار، وانا
مسافر؟
3. باسناده عن ابان عن ابي عبدالله (الصادق)(ع) قال: انه
تستحب الصلاة في مسجد الغدير، لان النبي(ص) اقام فيه
اميرالمؤمنين(ع)، وهو موضع اظهر الله، عز وجل، فيه
الحق((488)).
وهو الموضع الذي نص فيه رسول الله(ص) على امامة امير
المؤمنين وخلافته بعده، ووقع التكليف بها، وان كانت النصوص
قد تكاثرت بها عنه(ص) قبل ذلك اليوم، الا ان التكليف
الشرعي والايجاب الحتمي انما وقع في ذلك اليوم،وكانت تلك
النصوص المتقدمة من قبيل التوطئة لتوطن النفوس عليها
وقبولها بعد التكليف بها.
فروى ثقة الاسلام في «الكافي» والصدوق في «الفقيه» عن ابان
عن ابي عبدالله(ع): قال: يستحب الصلاة في مسجدالغدير، لان
النبي(ص) اقام فيه امير المؤمنين(ع) ، وهو موضع اظهر الله،
عز وجل، فيه الحق.
وروى المشايخ الثلاثة (نور الله تعالى مضاجعهم) في الصحيح
عن عبد الرحمن بن الحجاج: قال: سالت ابا ابراهيم(ع)عن
الصلاة في مسجد غدير خم، وانا مسافر، فقال: صل فيه، فان
فيه فضلا كثيرا، وكان ابي يامر بذلك.
وقد ذكر استحباب الصلاة في مسجد الغدير غير واحد من
فقهائنا الامامية، مضافا الى من ذكرتهم، منهم:
وهو الموضع الذي نص فيه النبي(ص) بالولاية لامير
المؤمنين(ع)، وعقد البيعة له، صلى الله عليهما وعلى
آلهماالطاهرين»((495)). وصف الموقع الراهن
وصفه المقدم عاتق بن غيث البلادي، المؤرخ الحجازي
المعاصر، في كتابه «معجم معالم الحجاز»، قال: «ويعرف
غديرخم اليوم باسم «الغربة»، وهو غدير عليه نخل قليل لاناس
من البلادية من حرب، وهو في ديارهم يقع شرق الجحفة
على اكيال، وواديهما واحد، وهو وادي الخرار((496)).
وكانت عين الجحفة تنبع من قرب الغدير، ولا تزال آثارها ماثلة
للعيان.
وتركب الغدير من الغرب والشمال الغربي آثار بلدة كان لها سور
حجري لا يزال ظاهرا، وانقاض الاثار تدل على ان بعضها كان
قصورا او قلاعا، وربما كان هذا حيا من احياء مدينة الجحفة،
فالاثار هنا تتشابه».
وقد استطلعت، ميدانيا، الموضع من خلال رحلتين:
-
كانت اولاهما: يوم الثلاثاء 7/5/1402ه: 2/1/1982م. - والثانية: يوم الاربعاء 18/6/1409ه: 25/1/1989م. |