ولعل شغف المغاربة والاندلسيين باللغة الفارسية يحتاج الى
مبحث مستقل لطول ذيوله واتساع مناكبه. وقد عكس
ابن بطوطة، الطنجي المغربي، بعض هذا الشغف والاهتمام
بهذه اللغة التي لم تكن مقتصرة على ما يسمى ايران اليوم،
بل تعدته «الى كل الاجزاء التي كانت تقع تحت التاثير الفارسي
في ذلك العهد، مما يتعدى ما كان معروفا ب «فارس»
من الاقاليم من العراق واليمن وعمان وافغانستان وبلاد السند
والهند وسيلان وما وراء النهر الى ابعاد الصين، فمنها ما
كان فارسيا بكل خصائصه، ومنها ما كان فارسي اللغة والادب،
ومنها ما كان فارسي الحكم، او كان تحت النفوذ
الفارسي المباشر، ومنها ما كان يضم عناصر من خيرة ما انتجته
فارس من ادباء وعلماء، كانت تكون اهم العوامل التي
تحرك الحياة الفكرية فيها»((345)). ويتبين، من خلال رحلة
ابن بطوطة، شغفه باللغة الفارسية وتعلمه لها واتقانها، وكيف
تعلق بجارية واعجب بها «لمعرفتها باللسان الفارسي في جزيرة
المهل»((346)) الى درجة اننا لا نراه في رحلته قد ابدى
اعجاباواهتماما بلغة اخرى غير الفارسية، فاكثر من نقل
النصوص بها وشرحها، واستعمل العديد من
مصطلحاتها((347)) بل انه حفظ شعر عظمائها. «ومن
الاشارات الطريفة، في هذا، ان امير الصين كان مولعا بالغناء
الفارسي، وحضر ابن بطوطة مناسبة كان يغني فيها للامير شعرا
فارسيا حفظه ابن بطوطة، وقد اكثروا تكراره لاستحسان الامير
له، وهو بيت للشاعرالفارسي سعدي الشيرازي كما ياتي:
تا دل بمهرت داده ام در بحر تفكر افتاده ام
وهذا ما اثر بقوة حتى في اللهجة المغربية الدارجة الى اليوم من
وجود بعض الكلمات والتعابير الفارسية في اللهجة المغربية،
وقد اوضح هذا الامر، بشكل كبير، الدكتور المرحوم عبد
اللطيف السعداني في احدى مقالاته المعنونة ب «ايران
والمغرب»، والمنشورة في مجلة البحث العلمي.
ومما زاد في حركات التواصل الثقافي والتبادل الفكري
واللغوي بين ايران والمغرب، هجرة العلماء المتبادلة
بين المنطقتين، «فبعد ان هاجم المغول ايران هاجر منها جمع
من العلماء والتجار من فارس وشيراز الى افريقيا، وحينما
اطاح اهالي خراسان بنهضتهم البطولية بالبلاط الاموي، زاد
نفوذ الخراسانيين ورجال شرقي ايران في مصر ومناطق
شمال افريقيا، واصبح حفظ الحدود والثغور الاسلامية بتلك
النواحي بايدي الخراسانيين، فسعت هذه الاسر الايرانية
في المغرب الاقصى وجزر البحر الابيض المتوسط»((349)).
ويحصي الشهيد مطهري اسم ثلاثين حاكما خراسانيا حكموا
المنطقة طوال مئتي سنة. وعلى عهد هؤلاء الحكام هاجرمن
خراسان وسائر مدن ايران عشرات من الفقهاء والمجتهدين
والقضاة والامراء والكتاب والسياسيين الى تلك
المناطق الغربية. وتوجد مصادر محفوظة، في مكتبات تونس
وفاس (مراكش)، في كتاب «تاريخ خراسان الكبير»((350)).
كما نجد
كثيرا من المخطوطات والكتب المغربية الاندلسية
في خزانات ايران الى الان. واذا كان المغاربة والاندلسيون قد
انكبوا
على شرح كتاب سيبويه وافاضوا وصنفوا ونقدوا واضافوا،
فان المغاربة قد اشغلوا علماء ايران في مباحث العرفان وفلسفته
وشعره، بعد ان تفتقت الذهنية المغربي الاندلسية، وابدعت في
فلسفة العرفان على يد الشيخ الاكبر محيي الدين بن عربي
وقلبه، هذا الذي احدث نقلة نوعية في مباحث العرفان، وانكب
الايرانيون على شرح كتاب «فصوص الحكم». وكان محيي الدين
بن عربي الطائي الاندلسي من تلامذة الشيخ ابي مدين
المغربي الاندلسي، وهو من عرفاءالقرن السادس، وعن ابن
عربي يقول الشهيد مطهري: «كان محيي الدين اكبر عرفاء
الاسلام، لم يبلغ مبلغه احد قبله ولابعده، حتى انه لقب بالشيخ
الاكبر،... تكامل العرفان الاسلامي من ظهوره قرنا بعد قرن،
ظهر في كل قرن عرفاء كبارطوروا العرفان واضافوا اليه، وكان
هذا التطور تدريجيا، وعلى يد محيي الدين بن عربي في القرن
السابع بلغ نهاية كماله،
فانه ادخل العرفان مرحلة جديدة لا
سابقة لها، وقد كان صدر المتالهين الشيرازي الفيلسوف الكبير
والنابغة العظيم يجله نهاية الاجلال، ويراه اعظم حتى من
الفارابي وابن سينا! له اكثر من مئتي كتاب، طبع اكثر الموجود
منها، اهمها:«الفتوحات المكية»، وهو كتاب كبير يعد في
الحقيقة دائرة معارف للعرفان، ويعد كتابه «فصوص الحكم» من
ادق المتون العرفانية واعمقها، مات في دمشق ودفن فيها
وقبره معروف (ت 638ه)»((351)). ولعل تاثير ابن عربي، في
مسار العرفان النظري لدى علماء ايران، يطيح بكثير من
الادعاءات التي ظل يروجها بعض الباحثين من ان علوم العرفان
قد خرجت من فارس ممثلة بذلك بؤرة للعقل المستقيل.
وحتى نقف على مدى تاثر علماء ايران بالفيض العرفاني
المغربي الاندلسي، نورد سلسلة من العرفاء الايرانيين، من
اشتهر بعضهم بشرح كتب الشيخ الاكبر ومساره العرفاني، قد
تشكل هذه السلسلة خطا بيانيا يقدم صورة جلية عن الموضوع
ضمن «كرونولوجيا» التاثر الايراني بالعرفان المغربي الاندلسي. «كرونولوجيا» العرفان الاسلامي في ايران
يورد الشهيد مطهري سلسلة العرفاء الايرانيين، من القرن الاول
الى القرن التاسع، وسيرا مع موضوعنا سنبدا العد من مرحلة ما
بعد التاثير المغربي الاندلسي في العرفان الاسلامي في ايران،
وساخصص ابتداء من البدايات ووصولا الى حدود التطور
العرفاني، جدولا في ملحق هذا البحث. وتتميز المرحلة الاولى
بمميزات خاصة في العرفان الاسلامي في ايران، ومع ابداع ابن
عربي الاندلسي، بطرحه نظرية «الانسان الكامل» سيحدث
انقلاب شامل في مسار هذا العرفان الاسلامي في ايران، ومن
هؤلاء المتاثرين نذكر: 1. صدر الدين محمد القونوي، (ت 673ه)، القونوي نسبة الى (قونية: تركية) تلميذ محيي الدين بن عربي وربيبه، كان معاصرا للخواجة نصير الدين الطوسي والمولوي الرومي، وكان محترما من قبل الخواجة وصديقا للمولوي، وتعلم عرفان ابن عربي، ويعد القونوي من احسن شراح افكار محيي الدين الشيخ الاكبر، وله دور كبير في نشرها، وكانت كتبه تدرس في الحوزات الفلسفية، وكتبه هي: «مفتاح الغيب»، «النصوص في شرح الفصوص». 2. مولانا جلال الدين محمد البلخي الرومي (ت 672ه)، المعروف بالمولوي صاحب المثنوي، «ديوان الشعر»، وهو بحرمن الحكمة والمعرفة، والنقاط الدقيقة من المعرفة الروحية والاجتماعية والعرفانية، وهو من شعراء الطراز الاول من العرفانيين، اصله من بلخ، خرج مع والده لزيارة بيت الله، لاقى الشيخ العطار في نيسابور، ثم لاقى العارف المعروف شمس الدين التبريزي، وذكره في المثنوي بحرارة واشتياق((352)). 3. فخر الدين العراقي الهمداني (ت 688ه)، الشاعر المعروف، تلميذ صدر الدين القونوي، ومريد شهاب الدين السهروردي. 4. عبد الرزاق الكاشاني، محقق عرفاء القرن الثامن، شرح فصوص الحكم. وقد اثنى عليه الشهيد الثاني، وكان بينه وبين علاء الدولة السمناني مباحثات ومشاجرات في المسائل النظرية المطروحة من قبل محيي الدين بن عربي((353)). 5. الخواجة حافظ الشيرازي، رغم شهرته العالمية ليس له ترجمة واضحة، كان حافظا للقرآن الكريم ومفسرا له، وقد اشارالى هذا المعنى في شعره، فقال:
لم ار احلى من شعرك يا حافظ
سيبلغ عشقك لله الى حالة الصرخة/ كالحافظة، فتقرا القرآن
عن ظهر قلب باربع عشرة رواية.
اشعاره في قمة العرفان. شرح بعض الكبار بعض ابياته،
كالمحقق الدواني الفيلسوف المعروف في القرن التاسع؛
حيث كتب رسالة في شرح بيت له قال فيه: 6. الشيخ محمود الشبستري (ت 720ه)، صاحب المنظومة العرفانية الراقية باسم «كلشن راز» (حديقة الاسرار). 7. السيد حيدر الاملي، احد المحققين العرفاء، له كتاب باسم «جامع الاسرار» من الكتب العرفانية الدقيقة، وله كتاب آخرباسم «نص النصوص في شرح الفصوص» ، لم تعلم وفاته. 8. عبد الكريم الجيلي (ت 805ه)، صاحب الكتاب المعروف «الانسان الكامل». وكان اول من طرح مفهوم «الانسان الكامل» ابن عربي بصورة نظرية، ولقيت هذه المسالة اهتماما خاصا في العرفان الاسلامي. 9. الشاه نعمة الله الولي (توفي 834ه)، من اهل العرفان، له لقاء خاص مع الحافظ الشيرازي، وله في العرفان شعركثير. 10. صائن الدين علي تركة الاصفهاني، له باع طويل في العرفان النظري، على مباني محيي الدين، كتابه «تمهيد القواعد»مطبوع، وهو دليل على تبحره في العرفان. 11. محمد بن حمزة الفناري الرومي، من علماء البلاد العثمانية. 12. شمس الدين محمد اللاهيجي نور بخش (ت.ق 900ه)، شارح «كلشن راز» للشبستري، كان يقيم في شيراز. 13. نور الدين عبد الرحمن الجامي (ت 898ه)، من اصل عربي، كان شاعرا كبيرا، يعد آخر شاعر عرفاني كبير بالفارسية، له مؤلفات كثيرة في فروع مختلفة من النحو والصرف والفقه والاصول والمنطق والفلسفة، منها شرح نصوص الحكم لمحيي الدين بن عربي((356)).
كانت هذه كرونولوجيا مصغرة، الى حدود القرن التاسع، عن
العرفان والعرفاء، من اعداد الشهيد مطهري. والملاحظ ان هؤلاء
العرفاء كانت لهم اهتمامات علمية موازية. ويبدو، وبوضوح،
تخصص جلهم في الاعتكاف على شرح نظريات الشيخ الاكبر
في العرفان ودراستها. وكانت نظرية الانسان الكامل هي المحور
التجديدي في العرفان الاسلامي الاندلسي المغربي، مع الشيخ
الاكبر، وقد وجدت هذه النظرية ترحيبا وحسن استقبال من
لدن علماء فارس. ولعل ذلك يعود، في جزء منه، الى توافق هذه
النظرية مع المذهب الشيعي على الرغم من ان صدر الدين
القونوي السني حاول ان يجد لهاتخريجات سنية، «الا ان
الموضوعية تستلزم ان يقال: انه لم يحقق نجاحا ملحوظا في
هذا المضمار، ويعتقد الشراح الشيعة، امثال السيد حيدر الاملي،
وصدر المتالهين، واتباعهما ان مبادى محيي الدين العرفانية،
ومنها نظرية الانسان الكامل، تنطبق على التعاليم الشيعية
فقط»((357)). ويصر الامام الخميني (قده) على هذا الامر في
حاشية له على «الفصوص»، واشكل كثيرا على
القونوي»((358)).
ومما يجدر تسجيله هو ان تاثير الشيخ الاكبر لم يكن على عرفاء
ايران القدماء، بل استمر حتى مع العرفاء المعاصرين،واحسن من
يمثل هذا التاثر الامام الخميني(قده) ، «رغم ان الامام الخميني
كان محيي نظرية ولاية الفقيه، الا ان المستفاد من الوثائق
المكتوبة التي خلفها والكلمات التي تفوه بها، هو ان سماحته
كان يعتقد بنظرية ولاية الانسان الكامل»((359)). ويرى الامام
الخميني انه قد تتلمذ على متاثري ابن عربي الاندلسي، اذ
طالما كان الشهيد مطهري ينقل عن استاذه المرحوم الامام
الخميني انه قال: لم يات بعد محيي الدين بن عربي عارف مثل
آقا محمد رضا القمشئي،ويعد الامام الخميني (طاب ثراه)
نفسه من تلامذته القمشئي بوساطتين، ذلك انه تلميذ
المرحوم الشاه آبادي الذي هوتلميذ المرحوم الاشكوري من
خاصة تلامذة القمشئي، ويعبر الامام، بخاصة في الحواشي، عن
القمشئي ب «شيخ مشايخنا» عند ذكره((360)).
وما يميز عرفاء فارس والاندلس، على وجه العموم، انهم لم
يكتفوا بالمصنفات النظرية والفلسفية النثرية بل طرقواالشعر،
والبسوه معاني عرفانية عظيمة، فامتزج عرفان الشعر بشعر
العرفان، مع العلم ان العارفين ذوو قلوب عاشقة واحاسيس
مرهفة، ومضمارهم الحب، وخيلهم المجاهدات الروحية؛
وذلك لما تقدمه لغة الشعر من ملاءمة للموضوع، ما لا تسمح به
دائما صياغة النثر المنطقية الصارمة. وقد كان الشيخ الاكبر
من الشعراء الكبار في هذا الحقل،وقدم ذلك في «الديوان» وفي
«ترجمان الاشواق» ايضا. وكان قد عبر عن معاني العرفان شعرا
جل عارفي ايران. ونقف اليوم مع عارفين كبيرين: الاول ايراني
وهو سعدي الشيرازي، والثاني اندلسي مغربي، وهو ابو الحسن
الششتري الاندلسي، نقف على تجربتيهما في شعر العرفان،
وفي ما يمكن ان يتلاقيا او يفترقا فيه، في شعر العرفان. وقبل
الولوج الى صميم الموضوع يجدر بنا ان نقدم بطاقات تعريفية
موجزة بهذين الشاعرين المعروفين. سعدي الشيرازي
ان اصعب شيء هو ان تعرف من ضاقت معرفته الى حدود
المعرفة الشخصية، ولهذا كل ما يمكن ان اقوله مختصرا
لايمكن ان يفي بحق هذه الشخصية، ولو على سبيل الاشارة،
ولكن، وكما قال الامام علي بن ابي طالب(ع): «ما لا يدرك جله
لا يترك كله». «ولد سعدي الشيرازي في شيراز حوالى سنة
580ه، اسمه الكامل((361)): مشرف الدين، مصلح بن عبدالله.
مات ابوه فجاة، فساعده اتابك سعدبن زنكي على متابعة
تحصيله العلمي في المدرسة النظامية في بغداد. بذل جهدا
كبيرا في السعي الى العرفان. وكان استاذه، في هذا الطريق،
شهاب الدين السهروردي. بعد سقوط البلاد في ايدي المغول،
لجا سعدي الى التغرب، فذهب الى بلخ، وغزنة، وبنجان، وذهب
الى اليمن عن طريق البحر، وزار مكة المشرفة مرات، واقام في
بلاد الشام؛ حيث زاول الوعظ، واقام في جوار بيت المقدس.
ووقع اثناءها اسيرا في يد الصليبيين.ونقل الى طرابلس، واجبر
على الاعمال الشاقة. وبعد طواف في شمال افريقيا، اذ هاجر
من الشام الى المغرب ثم مصر،ومنها الى تركية في نهاية
المطاف»((362)) قضى سعدي اخريات ايامه معتكفا في زاويته
التي شيدها على مقربة من نهرركن آباد، في ارباض شيراز،
ينفق بقايا عمره في الوعظ والارشاد، الى ان بلغ من العمر عتيا،
ففاضت روحه الزكية الى بارئها، فدفن في تلك الزاوية، وبقيت
كلمته التي عبر عنها في شعره قائلا:
«اي سعدي، لم يمت قط من كان حسن الصيت. فالميت من
قبر، ولم يذكر اسمه بالخير»((363)). انتاج سعدي الادبي
-
في سنة 655ه، حرر سعدي الطف منظوماته واعمقها في
النصائح التعليمية، واسماها «بوستان»، وتسمى، ايضا،
«سعدي نامه». وهي تعرض، في عشرة ابواب، ارفع المطالب
الاخلاقية، مثل العدل والتدبير والاحسان والعشق
والتواضع والاخاء والقناعة والتربية والشكر والتوبة. وقد اصبغ
العشق ووسمه بالعرفان، وهو يبين الطف معتقدات
سعدي الصوفية((364)). ولم تمض سنة واحدة، اي ربيع العام
التالي 656ه، على تحرير «البوستان»، حتى اتم كتابه
«الكلستان»الذي تجلى فيه نبوغه، وبنى عليه مجده الادبي
الشامخ، فان لم يكن له سواه لكفاه وحده خلودا وسموا في عالم
الادب العالمي((365)). التجربة الشعرية عند سعدي
عبر سعدي عن تجربته في «البوستان»، وهو ديوان منظوم، يعد
درة يتيمة في عقود سعدي الفريدة، انتظم في حكايات بديعة
سامية((366)). ويعد «البوستان» ثمرة من ثمرات تجواله
ومخالطته للناس، وتعبيرا عن مشاهداته وآلامه التي
تاثرت نفسه بها، وتالم جسده ايضا، ويحوي شعره آماله في هذا
المجتمع الانساني تحت غطاء الاخلاق الرفيعة،
والمعرفة والحكمة، وقد اراد لديوانه ان يكون كتابا للشعراء
ومحبي العشق الاسمى ابتداه بالاقرار بعظمة الله ورحمته:
باسم الله خالق الارواح
وبعد 68 بيتا في التحميد، ينتقل الى مدح الرسول الصادق
الامين محمد(ص) في واحد وثلاثين بيتا، وياتي بعد ذلك على
مدح الصحابة، متوقفا عند اهل البيت(ع) قائلا:
الهي بحق بني فاطمة
وكما هو منهج المؤلفين المسلمين، في مقدمات مؤلفاتهم
ودواوينهم، يتحدث سعدي عن «البوستان» وسبب نظمه
مبينااقسامه وعناوينه. وتاخذ ابواب البوستان صورة الحكايات
الاخلاقية. واختار لشعره فن المثنوي المسمى في
العربية «المزدوج». وقد تطرق، في شعره، الى اغراض متعددة،
منها: الغزل والمديح والزهد والاخلاق. ونجد من الدارسين
من اعتمد على غزلياته في اعتبار هذا الشعر من شعر العرفان،
غير ان «يان ريبيكا» ذهب الى انه لا يمكن التاكد بشكل
قاطع من ان سعدي كان من العرفاء، «فلا يجب بالتاكيد اخذ
بعض مبهمات غزلياته التي تفوح منها رائحة العرفان، ذلك ان
هذاالنوع من الابهامات في الغزل كان امرا عاديا، ان اهم دليل
يمكن اظهاره في شان عرفان سعدي باب في مسالة العشق
في كتاب البوستان»((369)). ذلك ان اشعاره تبلغ اربعة آلاف
وخمسمئة بيت عدا المقدمة، وتنقسم الى عشرة ابواب
في مختلف الطبائع الانسانية. يبدا سعدي كل باب من الابواب
بمجمل عن مسالة نظرية من المسائل، ثم يؤديها منسجمة مع
تجاربه او بوساطة حكايات تاريخية((370)). واذا كنا لا نقع
على شعر فلسفي عميق في «البوستان»، ما عدا باب
العشق والشباب، فان «الجكستان» عوض ذلك، غير انه توجد في
هذه القطع بعض المشكلات. وافضل انموذج لنقاش سعدي هو
هجومه على الاغنياء، الا ان النظرة المتفحصة العميقة الى
منهجه اللاذع توضح مقصده الاساسي((371)). ويضمن سعدي
اشعاره مضامين سياسية في لباس الخمرة. بالطبع حين يهاجم
سعدي اشكال الرياء والتلون جميعها فانه يكون شاعرا اخلاقيا
صافيا((372))؛ اذ كان شعاره البارز هو اخوة الناس جميعهم،
كما ان عرفانه يتجلى بالتشجيع على حياة فعالة متساوية في
خدمة جماهير الناس. ولم تغب نبرة الوعظ والارشاد عن شعر
سعدي حتى وهو يمدح، يقول: «يا من قضى خمسين سنة من عمره وما زال في سباته العميق افق لعلك تتدارك ما فات عنك في هذه الايام الخمسة المتبقية لك. لاخترت الفقر على الثراء. فبما ان الجولة بلغت اليك الان، فكن عادلا ايها الملك لا تستحق الدنيا ان تحزن قلبا بسببها حذار ان تسيء الى احد! فالعاقل لا يفعل ذلك. ولهذا لا يتعلق قلب اللبيب بالدنيا».
والملاحظ ان سعدي يختار التركيب البسيط والعبارات السهلة
الرقيقة التي تخترق قلب سامعها قبل ان تطرق اذنيه،ومعاني
هذه القطعة تدخل ضمن شعر الوعظ والزهد، ولا تنتمي الى
حقل العرفان، فهي، في معظمها، منطقية وليست خيالية، وهي
اخبارية لا فلسفية، بسيطة، تبتعد عن التعقيد، وهي اقرب الى
شعر النثر، ولعل بساطتها تكسبها شعبية،وهذا ما يتيح لها
التداول الواسع على السنة الناس. وتتنوع المعاني في شعر
سعدي الزهدي والاخلاقي بتنوع ابنيته وتركيباته، وها هو
يتحدث عن بعد الزمن وتقلباته في حياة الانسان، الذي يكون
هو نفسه، كما يكون غيره من الناس: «يا حسرتا على ايام الشباب، وعهد النضارة، ونشاط الطفولة، والعيش في منعة من امري يا له من زمن فان مخلف للعهود! فاي صديق هو هذا الدهر الذي لا يقوم لاصدقائه كيف يمكنني ان اعتمد على ما تهبه يا زمن، من نعم، عندما اراك كالطفل الذي يعط ي شيئا لكن سرعان مايسترده. اما انت يا زمن! فتمتع بالصحة والسلامة والدوام على الرغم من شيخوختك دع عنك جلال الشيخوخة والعلم والفضل والادب لبيك يا جهل الشباب، ويا عهد الغرام والافتتان»((373)).
يبدو ان الشاعر قد وضع نفسه على مبضع التشريح، واتخذ
ضمير المخاطب عنوانا للكلام، وهي تقنية طالما جربهاالشعراء،
ترجمة لاسئلة النفس ومناجاتها، فالمخاطب هنا هو الانسان
في شموليته، وما يسجل على هذه القطعة، هوذلك التشخيص
المتحرك للزمن وتحميله الكثير من المسؤولية في التقليل
من الوفاء في الاخلاص لصداقته، وتشبيهه بالطفل الذي يسترد
الادوات بعد اعطائها. ومعلوم ان الطرح الاسلامي لا يحمل
الزمن المسؤولية، انما يتحملها الانسان وحده باعتباره مسؤولا
عن نفسه واعماله. وقد يشترك مفهوم الزمن مع مفهوم الدنيا
الزائلة التي تغر الانسان. هكذا يبدوالامر من السطح، اما من
العمق فان الانسان هو المعني والمقصود بالزمن هنا، باعتبار
الزمن ظرفا متبدلا ومجردا يخول للانسان مجال الحركة.
القصيدة اذن انذار. وقد عدها الاستاذ رضا داودي «تعزية
للنفس»((374)) وما يثبت مسؤولية الانسان ما يقوله تتمة: «لن يعيد البكاء ما مضى من الزمن فكل ما يفعله هو تصفيته لدم القلب بدموع العين اعلم ان باب عينك ذا المصراعين لن يبقى مشرعا على الدوام اذ لا بد من ان ياتي يوم يسد الطين فيه ذلك الباب».
والصورة الجديرة بالتسجيل، هنا، هي ذلك الحديث عن دموع
العين ودورها في تصفية دم القلب، ويبدو طرفا
الصورة متناقضين، فالطرف الاول واقعي مرئي بصري، والطرف
الثاني، وهو تصفية دم القلب، يعكس راحة نفسية يحس
بهاالمتحسر الباكي بعد فراغه من البكاء. وهذه حالة نفسية
قطعا، غير ان الراحة النفسية الناتجة عن البكاء هي حالة
ظرفية لن تدوم ما دام الانسان مهددا بالموت، وقد يتساءل
الانسان عما يمكن ان تغيره مواعظ سعدي، وهو ذو نزوع
اشعري،وماذا تغير اخلاقيات سعدي الشعرية في مخاطبه
ومتلقيه ما دام يقول:
«يبدو انه مع ما سبق الحكم فيه منذ الازل لم يكن صدا عرضيا لكي تستطيع يد موسى البيضاء جليه ليس هناك ذنب او طاعة عند البشر لانه مكتوب على الجباه: هذا ناج وذاك مؤاخذ لا يمكن الاتكال على مظلة الاعمال الحسنة ما لم تستظل يا سعدي في الالطاف الالهية»((375)).
غير ان الشعر وتجربته خلاف منظومة العقائد، الشعر في
الاخلاق والعرفان لا يقبل الاحكام المسبقة والمحكومة
سلفا،لانها تضع حدا للامل والرجاء، ونحن نعلم ان القضاء والقدر
محكومان بالبداء، اذ ان الله قدير في اموره، يثبت ما يشاءويمحوه
ايضا، حسب تقديره تعالى، وعنده ام الكتاب. وقد قدمنا هذا
التخريج تماشيا مع ما ورد في الباب العاشر من منظمة
«البوستان»، حين يلج سعدي، من خلاله، باب العرفان الذي
يحرره تحريرا بليغا من عقائد الاشعرية: «الهي! تعز من تشاء، وتذل من تشاء، لا شريك لك في قدرتك فمن تعزه لا يصل الذل اليه ابدا فان ادخلتني في ظلك الممدود لصارت الافلاك موطىء قدمي كلما اتذكر دعاء سمعت ملهوفا يدعو به الله في الحرم. وانت تعلم، يا الهي، اننا مساكين لا حول لنا الا بك وقد تسلطت علينا جنود النفس الامارة. فهل تقدر النملة الضعيفة ان تقاوم الوحش الكاسر؟ فمهد الطريق للذين يسلكون سبيلك، واحفظنا في ملاذك عن هؤلاء الاعداء، فلو اخذتني يا الهي بعدلك لتراني باكيا مضجا، لانك وعدتنا ان تعاملنا بلطفك. اما يكفي هذا الاعتراف ليكون داعيا الى عفوك بعد تقصيرنا في اداء حقك؟ لقد غيرت كيفما تشاء وبدلت مثلما تريد! لا نستطيع الفرار من قضائك الذي جرى علينا، فلم تبق لي بضاعة اذا الا الرجاء؛ فلا تجعلني يا الهي يائسا من عفوك وغفرانك»((376)).
الواضح، من خلال هذه القصيدة، هو سلوك الشاعر اسلوب
المناجاة الربانية التي تعكس بوضوح، في تركيبهاوصياغتها،
فلسفة الادعية السجادية والعلوية عند ائمة اهل البيت(ع).
وتقوم اساسا على الفصل السلوكي بين سلطان النفس الامارة
الضاغطة وسلطة العقل العاجزة امام السلطة الاولى، ولذلك
تلجا الى الاستناد على الرجاء والخوف،وتكاد بعض العبارات
تنطق بلسان دعاء كميل بن زياد لامير المؤمنين(ع) في قوله:
«الهي ومولاي، اجريت علي حكمااتبعت فيه هوى نفسي، ولم
احترس فيه من تزيين عدوي، فغرني بما اهوى، واسعده على
ذلك القضاء، فتجاوزت بماجرى علي من ذلك بعض حدودك،
وخالفت بعض اوامرك، فلك الحمد علي في جميع ذلك، ولا
حجة لي في ما جرى علي فيه قضاؤك والزمني حكمك
وبلاؤك»((377)). ويستند سعدي، في قصيدته هذه، الى
الاعتراف بالتقصير والعجزوالارتعاد، كما تبدو هذه المعاني
وصياغتها بجلاء في دعاء كميل بن زياد في قول امير
المؤمنين(ع): «الهي وربي وسيدي ومولاي، لاي الامور اليك
اشكو، ولما منها اضج وابكي، لاليم العذاب وشدته ام لطول
البلاء ومدته، فلئن صيرتني للعقوبات مع اعدائك، وجمعت
بيني وبين اهل بلائك، وفرقت بيني وبين احبائك واوليائك،
فهبني يا الهي وسيدي ومولاي وربي، صبرت على عذابك،
فكيف اصبر على فراقك، وهبني يا الهي صبرت على حر نارك
فكيف اصبر عن النظر الى كرامتك، ام كيف اسكن في النار
ورجائي عفوك. فبعزتك، يا سيدي ومولاي، اقسم صادقا لئن
تركتني ناطقا لاضجن اليك بين اهلها ضجيج الاملين،
ولاصرخن اليك صراخ المستصرخين، ولابكين عليك
بكاءالفاقدين»((378)). تبدو هذه المعاني العلوية، بجلاء في
شعر سعدي العرفاني، كما تظهر بقوة في مقدمة
«الكلستان»:العاكفون في كعبة جلاله يحسون بالتقصير والعجز
والارتعاد، فما عبدناك حق عبادتك. والواصفون حلية
جماله حائرون، ما عرفناك حق معرفتك.
لو ان احدا طلب مني وصفه
هكذا يعترف وينطق فؤاد العارف والسالك الى الله بالتقصير
والعجز، لانه ادرى من غيره بمسالك المعراج الوعرة والدقيقة،
الناتج عن الوله والسهر امام عظمة العشق الالهي المتمسك
بالاداب المعنوية التي توقد نار العشق المقدس في صدور
اصحابها، وتغسل ادران النفس وتلوثاتها الفاسدة بماء العلم
النافع الطهور، وبارتياض شرعي صالح يشتغل حينئذ بتطهير
القلب الذي هو ام القرى، فبصلاحه تصلح المملكة، وبفساده
تفسد كلها. وقذارات عالم القلب مبداالقذارات جميعها، وهي
عبارة عن تعلقه بغير الحق وتوجهه الى نفسه والى العالم.
ومنشؤها جميعا حب الدنيا الذي هوراس كل خطيئة وحب
النفس الذي هو ام الامراض. وما دامت جذور هذه المحبة في
قلب السالك لا يحصل فيها اثر من محبة الله ولا يهتدي طريقا
الى منزل المقصد والمقصود... فالتطهر من حب النفس والدنيا
هو اول مرتبة تطهير السلوك الى الله في الحقيقة، لانه قبل هذا
التطهير ليس السلوك سلوكا، وانما يطلق السلوك والسالك
على سبيل المسامحة((380)). النفس هي مفتاح السعادة
ومفتاح الشرور، اذا، واذا لم يبتدى السالك بتطهيرها فان
الاعمال الخارجية لا تنفع، وتبدا الحركة العرفانية عند سعدي
من النفس الداخلية الى السلوك الجوارحي الخارجي. والى هذا
المعنى يشيرفي قوله:
ونفسك تعمل كل عيب
ولابد لهذه الطهارة النفسية والسلوك الحواري من ان ينعكسا
منفعة على الناس ومشاركة لهم في الخير؛ اذ لا معنى لهماان
اصبحا هوسا فرديا، او نظرية وطريقا للفوز الفردي بالجنة، يقول
سعدي في هذا السياق: «ماذا افعل ان لم افعل»،
ويقول شعرا في
هذا المعنى:
ان لم تنفع الناس بوجودك
وطالما يخجل سعدي من نفسه اذا قدم نصيحة او افادة، اذا لم
يتحقق النقاء النفسي والقلبي في كيانه، ويعبر عن هذاالخجل
والاستحياء هذه المرة بشعر ينطلق بلسان عربي مبين:
عيب علي وعدوان على الناس
بعد ان اشرنا الى مرجعية الادعية الماثورة عن اهل البيت(ع)،
في شعر سعدي، في المناجاة، نقف، في هذه القطعة،
مع المرجعية القرآنية التي تعبر عنها آيات قرآنية كثيرة في هذا
السياق، مثل قوله تعالى: (اتامرون الناس بالبر وتنسون انفسكم
وانتم تتلون الكتاب...). وفي البيت الاخير يستثمر قوله تعالى:
(... ونحشره يوم القيامة اعمى). ولهذا الحضورالقرآني دلالته،
وقد وضع الدكتور فكتور الكك لهذه القطعة عنوانا مناسبا جدا
هو «رحمة الافلاس». ويبدو، من خلال هذاالتناقض في هذا
العنوان، تكامل الرجاء مع الخوف الذي قدمته القطعة، بلسان
شاعر الاخلاق الصادر عن القلب والنفس في حركة الزاهد
والمتصوف والعارف، وفي حركة الانسان الذي يتاثر بالافلاك
المحيطة به، ويتاثر ايضا بالطبائع الانسانية المتقلبة. كما يملك
ان يؤثر ايضا بقسط وافر في طبائع الاخرين. وقد صب هذه
المعاني في تجربة شعرية لافلسفية ولا خطابية. وان كان شعره
لا يخلو من بعض الحكم الفلسفية ومن النبرات الخطابية، لكنه
يبقى شعرا بخصائصه الفنية والموضوعية، وكثير هم الذين
شككوا في تجربة سعدي الشعرية ووسموا شعره بالضعف او
الرداءة، ولا ندري ماهو مقياسهم في هذه الاحكام النقدية، الا
المنطق الذي يحتم على سالكيه الرجوع الى القواعد الصارمة،
وبهذا
فمقاييسهم تبتعد عن روح الشعر القائمة على التجريب
والنبوغ والاصالة، فلا يمكن ان نتخذ فلانا مقياسا
لشاعرية سعدي او ضعفها، ونقطة قوة شعرية سعدي تكمن في
اصالته، وفي بساطة شعره ووضوح معانيه، وصفاء عباراته،
ولعل مرجعية النقاد في تلك الاحكام، ما زالت تعتمد قول
الاصمعي: «بان الشعر نكد بابه الشر كلما دخل الخير او الدين
لان وضعف». ونسي بعضهم ان الاصمعي كان يضع جزالة الشعر
الجاهلي وقوته مرجعية له في اقواله النقدية، ولكل ظرف وبيئة
خصوصية تميزه من غيره، ولكل مجتمع مميزاته، ولكل شاعر
امضاؤه، وصورته. وفي المقابل حظيت تجربة سعدي الشعرية
باعتراف كثير من الدارسين، على قوتها واصالتها، فقد اكد
المؤرخ الكبير ابن الفوط ي على ما تمتع به سعدي «من القول
الحسن، البديع المعاني في الالفاظ الفصيحة باللغة
الدرية»((385)) مع الاشارة الى ان بعض النقاد قدفصلوا بين
شعره الفارسي وشعره العربي، ومن هؤلاء الدكتور جعفر مؤيد
الشيرازي، كما توقف الدكتور احسان عباس عند رائيته في رثاء
بغداد بعد اجتياح المغول لها، وقال: «لو لم يكن لسعدي الا
رائيته في رثاء بغداد، بعد اجتياح المغول لها، لكانت وحدها
كفيلة بالافصاح عن قيمة هامة لهذه المجموعة من
الشعر»((386)). ومن بين تقنيات سعدي الشيرازي،سالفة
الذكر، اعتماده على الايات القرآنية والاحاديث النبوية الشريفة
وحكم الامام علي(ع)، ويذهب الجاحظ، في هذاالشان، الى ان
الاستشهاد ب آيات القرآن الكريم من محاسن الكلام، وهو دليل
واضح البرهان على الابداع والانسجام((387)).
اما صور سعدي الشعرية فتعكس عاطفته وافكاره ما دامت هذه
العاطفة والافكار تنبع من عمقه الصادق. وغالبا ماتتظافر
عناصر واقعية بعناصر ذهنية لتركيب الصورة الشعرية. ويعتمد
سعدي التشبيهات والاستعارات، ويستخدم «التشخيص» بوصفه
لونا راقيا من الوان الصورة الشعرية، ليجعل الجمادات شخوصا
تنطق وتسمع وتشعر وتتحرك. وقداكتسبت جميع صفات
الكائن الحي، فالقدر ساق، انسان يدير كؤوس المنايا يسقي بها
الشهداء من الشاربين((388)). ابوالحسن الششتري شاعر العرفان الكبير
هو علي بن عبدالله النميري الششتري اللوشي، ويكنى ابا
الحسن، ينتمي الى شوشتر، وهي قرية في وادي آش بالاندلس.
ويذكر ابن ليون عن اسرته: انه كان من الامراء واولاد الامراء،
فصار من الفقراء واولاد الفقراء. ولد سنة 610ه،
حفظ القرآن منذ
صغره، ودرس الفقه، ثم انتقل منه الى الحكمة، وانتهى به
المطاف الى دراسة طرق الصوفية علما
وعملا((389)). وهذا ما
يوضحه الغبريني، وهو يترجم للشوشتري في عنوان الدراية اذ
يقول: «الفقيه الصوفي من الطلبة المحصلين والفقراء
المنقطعين، له علم بالحكمة ومعرفة بطريق الصوفية». اما
المقري، صاحب كتاب: «نفح الطيب»،
فيقول عنه: «عروس
الفقهاء وامير المتجردين وبركة لابسي الخرقة، كان مجودا
للقرآن، عارفا بمعانيه من اهل العلم والعمل». اما عن معرفته
بالعلوم النقلية فيذكر الطواح ان الششتري «كان يجيز في
المستصفى وانه كان على معرفة كاملة بالسنة والحديث والفقه
واصوله»((390)). درس الفلسفة على ايدي عبد الحق بن
سبعين، اما معرفته بالشعر، وبخاصة الموشحات والازجال
الاندلسية، فكانت على جانب كبير من العمق. عرف ابن قزمان
واستعار كثيرا من معانيه، كمااستعار، ايضا، بعض خرجاته من
ابن زيدون. والشوشتري اول من استخدم الزجل في التصوف،
كما كان محيي الدين ابن عربي اول من استخدم الموشح
فيه((391)) غير ان الفرق بينه وبين ابن عربي هو انه عبر،
ببساطة نادرة، عن مذهب في الوجود، اما ابن عربي فقد كان
حكيما وفيلسوفا في تجربته.
وبدا الششتري حياته تاجرا متجولا، ورحل الى بلاد كثيرة في
الاندلس ومراكش. وفي احدى رحلاته الى «بجاية» حضرحلقة
المدينية، اتباع ابي مدين الصوفي المشهور. وهناك لزم مجلس
القاضي محيي الدين بن سراقة، احد تلامذة السهروردي، واخذ
عنه التصوف، وقد اثرت المدينية على الششتري في بدء حياته
اثرا كبيرا، لكنه انتقل، في ما بعد،بكليته نحو التصوف الفلسفي،
واعتنق مذهب وحدة الوجود، سائرا على نهج عبد الحق بن
سبعين الذي تاثر به ايماتاثير، ما جعله ينجذب الى «مغناطيس»
النفوس، و«اكسير الذوات» كما عبر عنه في احد اشعاره، بل دعا
نفسه «عبد ابن سبعين». صاح فيه ابن سبعين قائلا: «ان كنت
تريد الجنة، فاذهب الى ابي مدين، وان كنت تريد رب الجنة
فهلم الي»((392)). رحلات الششتري
من الظاهر ان المتصوفة والعارفين كانوا مولعين بالرحلات
والسعي، ولعل هذه الحركة كانت تعبيرا عن القلق والبحث
عن موارد الخلاص ورفاق الدرب، واكتشاف الاسرار والبواطن،
فضلا عن طلب شيوخ العلم وزيارة العتبات المقدسة،وتفقد
الرباطات. ولم يشذ الششتري عن هذه القاعدة، «فقد صحب
شيخه في رحلات كثيرة، ورحل منفردا ايضا، ومن الثابت انه زار
مكناس وفاس، كما زار قابس، وعاش في رباطها مدة من
الزمن، وذهب الى مالقة ومنها الى طرابلس، وقدادهش
الششتري اهل طرابلس بعلمه الواسع بالفقه والسنة، ثم رحل
الى القاهرة، حيث اقام معتكفا بالازهر كما يذكر هونفسه في
احدى قصائده، وكانت مصر حينها تزدحم بعدد كبير من
الصوفية، وعلى راسهم ابو الحسن الشاذلي((393)).كما ادى
الششتري فريضة الحج عدة مرات، وزار قبر الرسول
الاعظم(ص)، ثم رحل الى الشام عام 650ه، واجتمع بالنجم بن
اسرائيل الصوفي المشهور، وفي صحارى مصر والشام تردد
الشوشتري على كثير من الاديرة، وقابل الكثير من الرهبان،
وعرف الكثير عن طقوسهم وعاداتهم((394)). قضى اواخر
حياته متنقلا بين سواحل الشام ومصر، وعاش مدة من الزمان
في رباط القلندرية في دمشق. ومن المرجح انه شارك في
الحرب ضد الصليبيين. مرض في رحلته الاخيرة الى مصر،
واشتدت علة مرضه بالقرب من دمياط في مكان يقال له
الطينة، فسال اتباعه عن اسم المكان، فلما قيل له:الطينة؛
لفظ عبارته المشهورة: «حنت الطينة الى الطينة»، ومات
هناك، ودفن في دمياط((395)). مؤلفات الششتري واعماله
ألّف الششتري كثيرا نظما ونثرا، وكتبه النثرية هي:
-
الرسالة العلمية: وكان ابن ليون التجيبي قد اختصرها في كتاب
اسماه «الانالة العلمية في الانتصار للطائفة الصوفية». وهي توجد
في الخزانة التيمورية بدار الكتب بخط مغربي، وكان المرحوم
الدكتور سامي النشار قد وعد بنشر المخطوط الاصلي قبل
موته.
-
المقاليد الوجودية في اسرار الصوفية.
-
الرسالة البغدادية، وهي رسالة قصيرة.
كما كتب الششتري كتبا لم يعثر الا على عناوينها، ومنها:
العروة الوثقى في السنن. ما يجب على المسلم ان يعتقده الى
وفاته. الرسالة القدسية في توحيد العامة والخاصة.المراتب
الاسلامية والايمانية والاحسانية.
وترك الششتري ثروة شعرية طائلة توجد موزعة على المكتبات
الاتية. مكتبات ميونيخ وهمبورغ وتبوينغن (المانيا)،وليدن
(هولندا)، والمكتبة الاهلية في باريس (فرنسا) ، مكتبة
الاسكوريال ومدرسة الدراسات الشرقية في مدريد(اسبانيا)،
ومكتبة السادة الدرقاوية في طنجة (المغرب)، والمتحف
البريطاني. وقد جمع الدكتور سامي النشار سبعة عشر مخطوطا
لديوان الششتري. وتبين، في ما بعد، ان للشوشتري ديوانين
من الشعر لا ديوانا واحدا، ويبدو ان الديوان الكبير يتضمن
مذهب الششتري الصوفي الفلسفي، بينما ديوانه الصغير هو في
اكثره اوراد ومقطوعات انشادية لمبتدئي المريدين((396)). تجربة الششتري في التصوف والعرفان
ان عطفنا العرفان على التصوف لا يعني الاقرار بوضعهما في
خانة واحدة، اذ لكل حقل خصوصياته، للعرفان العملي مسالكه،
وللتوجه الصوفي منافذه، وللعرفان النظري قواعده ايضا،
فالجمع، اذا، بين التصوف والعرفان ليس الا من قبيل التجاوز
اللغوي والملتقى الشعري الذي يسمح بمساحة للالتقاء مهما
ابتعدت المفاهيم والممارسة. بهذا نجد ان لتجربة الششتري
الصوفية والعرفانية مكانة خاصة في ميدان الشعر، لانها نقلت
العرفان الفلسفي من بعديه: النظري والعملي الى حقل الشعر،
ومن حقل الشعر الغامض احيانا والمليء بالرموز الى الشعر
الشعبي، اي الزجل. وهذا ما شغل بال اعداءالتصوف والعرفان،
فجعلهم يحسبون لهذه النقلة حسابات كبرى. وقد اشار ابن
تيمية الذي جند قلمه وذهنه لمحاربة التصوف والعرفان، الى
مكانة الششتري، باعتباره رمزا من رموز صوفية الوجود، ومن
«الذين اثروا ابلغ الاثر في اقامة المذهب ونشره»((397)). وقد
ذكر ابن خلدون، في مقدمته((398)) ايضا، مكانة الششتري،
وهو في صدد الحديث عن ابن الخطيب الذي كان ينظم الزجل
في اغراض التصوف «وينحو منحى الششتري منهم»، وهذا ما
جعل الششتري وشعره يسيطران على قلوب العرفاء والعامة
ايضا، وما زال تاثيره على مسالك التصوف الى الان، فقد اوصى
السيد محمدبن الصديق، وهو من علماء طنجة الذين لا يشق
لهم غبار، (واستمرت سلسلة العلم في اسرتهم الشريفة الى
الان)، اوصى خليفته في مشيخة الدرقاوية السيد احمد بن
الصديق (المرحوم والعالم الاكبر) بانشاد قصائد الششتري في
الحضرة. كماكان لشعر الششتري الاثر البليغ في متصوفي
تونس الى الان. وفي طرابلس ينشد شعر الششتري مع شعر ابن
الفارض.وفي مصر، ايضا، ما زال الشاذليون في دمياط ينشدون
شعره في الحضرة، ونرى الامر نفسه في الشام وجاوة
وسومطرة واليمن((399)) كما اهتم جم غفير من
المستشرقين بدراسة شعره.
يقول الششتري في احدى قصائده العرفانية:
اذا لم يكن معنى حديثك لا يدرى
تبدو المعاني، في تجربة الششتري، واضحة سهلة الماخذ، لانها
تبنى على الجمل القصيرة التي يتم المعنى من خلالها،ويصل
الى المخاطب، وكل بيت شعري بقدر ما يكمل معاني سابقه
يضيف معنى آخر، وهذا لا يعني ان معانيه تنفصل او تفقد
الوحدة العضوية والموضوعية، بل هي متكاملة، وما يضمن
تكامل معاني الششتري الشعرية هي المعاني الثواني المبنية
على المعاني الاول، في بساطة متناهية، ومن دون ان تقترب
هذه البساطة من السذاجة او الكلام المباشرالتقريري. تبدو
المعاني الثواني مقرونة بموسيقى العشق في عمق تجربة
الششتري، والقصيدة اشبه بالمناجاة، رغم انها ليست كذلك،
وهي بيان للمحبة بصوت هادى سلس، ان كان الششتري يربط
دراية الحديث والكلام بحالته النفسية والروحية. وبهذا يتجاوز
الشاعر حالة السماع القائمة على الاذن، لان السماع، من دون
دراية، لا يحمل اي معنى، اشارة الى قوله تعالى: (ومنهم من
يستمع اليك افانت تهدي الصم ولو كانوا لا يعقلون). بهذا لا
يعير الششتري السماع اي اهمية، وذلك لانه حاسة عامة
تشترك فيها حتى بعض المخلوقات اللاانسانية. لاجل ذلك
يغوص الشاعر في حقل الدراية، وللدراية مفهوم خاص عند
العرفاء، لا يتطابق مع انصار الدراية العقلية القائمة على
حسابات المنطق. يقدم الششتري الدراية على الرواية، ويتحدث
عن المعنى لا عن البناء اللفظ ي الخارجي، وعن معنى المعنى،
لا المعنى المباشر، ذلك ان الشاعر يجعل هذه الدراية شرطا
ومقدمة لاستقبال الكلام وتقبله، والا فانها لن تنال من مهجة
الشاعرشفاء، ولن تروي حرارة كبد صاحبنا الحرى، المشتاقة
لان تسقى من نبع النور الالهي الفياض ولن تطفى اشتعالها.
وينتقل الششتري من المعنى «الما بعد سماعي» الى النظر،
ليطبق عليه الرؤيا السابقة نفسها؛ اذ ان الشاعر لا ينظر الى
هذه الموجودات الا بالنظر الى المحبوب الاكبر، اي تتجاوز
حدود النظر معنى الرؤية الى الرؤيا، مبتعدا عن بصر الصورة
الى الغوص في عمق الصور والوقوف على اسرارها، حتى تتحقق
المحبة الحقيقية، ولولا المحبة العرفانية لما اكتسب
الهوى الاصغر اي معنى ولا طيبة او لذة. وهذه النظرة العرفانية
قد تلتقي مع قوله تعالى: (ومنهم من ينظر اليك، افانت
تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون)، النظر، بالنسبة للمؤمنين
الخلص، هو نظر قلبي عقلي لا نظر الحواس. وهذا ما
يقصده،ايضا، ويعبر عنه الدكتور جلال آل احمد بمصطلح
«الرؤية النيرة» التي تبتعد عن المعنى «الفسلجي»
(الفيزيولوجي) الذي تقوم به احدى الحواس الخمس، فالمعنى
البسيط للرؤية، هو عمل حاسة البصر، التي تمثل النافذة الاهم
بين ذهن الانسان والعالم. ومن هنا يمكن ان تكون رؤية اي
انسان ضيقة او واسعة، او نيرة او عشواء. لكننا نعلم انه من
الممكن لشخص ضرير ان يكون مستنيرا، وبالعكس، اذن فالمراد
بالرؤية هنا ليس رؤية العين، وربما كان مرادفا (يقول جلال)
مايسميه القدماء، «رؤية الفؤاد»، ونسميه اليوم «الرؤية الكونية»...
اننا نشاهد الكثير ممن تجولوا في انحاء العالم المختلفة،
لايزالون على درجة خطيرة من الغباء والبلادة. وهناك الكثير
من مدمني قراءة الكتب لا يعرفون الناقة من الجمل»((401)).
وينتقل الششتري الى درجة اعلى، وهي اجتلاء الفكر وعمقه
وتحقق الغيبة في الحضرة ووجوب الحضور. ولعل حالة الشاعر
ولسان حاله دفعا بعض الناس الى الاعتقاد بان صاحبنا قد تاه
واخطا الطريق، وضل سعيه، وحاد عن الجادة، وهويعيش حالة
هلوسة باتباعه الاهواء، ولعل الشاعر هنا يلمز بعض الفقهاء من
منكري العرفان، وغيرهم من العوام الذين يسمون
«بالبرخوانيين» بالفارسية، الذين يحفظون النص عن ظهر
القلب، ويتهمون العرفاء بانهم ذوو شطحات خرافية. يتدرج الشاعر، في قصيدته هذه، من مدرج السمع الى النظر الى التفكر، بمعانيها الباطنية العميقة طبعا، الى ان يصل الى العقدة، وكانه يقص حالته ومسيرته وتجربته، ويسترسل بعدها لفك العقدة، وهو في صدد الاجابة عن الاشكال الذي تلبس باذهان المنكرين: فالمحب الحقيقي لا يضل ولا يشقى، كما يجب التنبيه الى انه لا يجب التعامل مع اللفظ عندالششتري بمعناه المعجمي، بل يجب تفحص الالفاظ بمعانيها الاصطلاحية، وبالاصطلاح الخاص بالعرفان، لان المحب ليس كائنا عاديا، ولا هو من ذوي الاحاسيس المرهفة الساذجة. بهذا يرد الششتري على المنكرين عليه بانهم لما عموا اخطاوا في فتواهم. وهذا ما يحيلنا دائما الى المرجعية القرآنية التي تصف بعض المبصرين بالعمى، ويوضح الشاعر فتواهم كما يوضح هذا المعنى في البيت التالي بالتركيز على مصطلحين: الاول هو المشاهدة والثاني هو «عين القلب»، ويعبر عن الشيء المشاهد الذي يعلو فوق الشيئية، والذي هو معنى الجمال النوراني الالهي الذي لا يتحقق بالعين ولا بالعقل ولا بالعلم، انما يتحقق بالكشف الناتج عن المجاهدات والرياضات الروحية والعبادية للعارفين.ولذلك استعمل الشاعر اداة (لو)، وهي اداة شرط تدل على امتناع الجواب، ولذلك فهي في بيت الشاعر حرف امتناع لامتناع، فلو تحققت لهم هذه المشاهدة - وهي يقينا لم تتحقق ما داموا قد اخطاوا الطريق، ولن تتحقق لهم ما دامواينكرون السلوك والعرفان لما انكروا على صاحبنا حاله وهيامه، لان اعين قلوبهم لا ترى ما يراه العارف. |